صالح أحمد العلي

40

سامراء

بغداد بالبصرة وتجارتها . فأرسل حملة بقيادة عجيف بن عنبسة الذي قضى خمس سنوات أفلح بعدها في القضاء على ثورتهم وعيشتهم . ثم نفّذ حملة أخرى بقيادة الأفشين للقضاء على بابك الخرمي الذي أعلن العصيان في أذربيجان ؛ وبذل المعتصم لهذا الجيش الأموال ، واستطاع الأفشين القضاء عليه بعد جهود مضنية دامت ثلاث سنوات « 1 » . الجيش في بغداد كان الخلفاء العباسيون الأوائل يعتمدون على قوة عسكرية عظيمة في بغداد تدين بالولاء للخليفة فتثبت سلطانه وتدعم هيبته عند أهلها ؛ ولكن هذه القوة تفكّكت في القتال بين الأمين والمأمون ، وصار اعتماد الأمين في الدفاع عن بغداد على أهلها الذين دافعوا ببسالة عن مدينتهم ولم يتضعضعوا إلا بعد أن فرض طاهر بن الحسين حصارا اقتصاديا قويّا ؛ فلما استسلمت بغداد للمأمون لم تعد فيها قوة عسكرية يعتمد عليها ، ولم يكن بالإمكان سحب مقاتلة الثغور من حدود دولة الروم لأن ذلك يعرّض حدود الدولة إلى أخطار تجاوزات الروم عليها ؛ وكانت هذه القوات قد توجهت لقتال أعداء الدولة وليس للمشاركة في النزاعات الداخلية . لم يؤمّن طاهر بن الحسين ، بعد سيطرته على بغداد ، ولاء أهلها للمأمون ؛ وكانت لبعضهم مكانة يحاولون السيادة على بغداد وأطرافها مستغلين ضعف القوة التي يستند إليها الولاة ، وتدنّي هيبتهم . فلما عاد المأمون إلى بغداد ، بعد أربع سنوات من القضاء على الأمين ، تابع سياسة « لمّ الشمل » ، وجلب رضى الناس ، فأعاد لباس السواد ، وهو شعار العباسيين ، ولم يضطهد من عمل في مناوأته ، وإنما تسامح معهم ، وحاول تقريبهم إليه وكسب رضاهم . ولكن المأمون كان يدرك أن السياسة السلمية لا تكفي وحدها لتثبيت هيبة الخليفة وسلطانه ، وأنه كان لا بدّ له من قوة عسكرية بتصرّفه تقيم في بغداد

--> ( 1 ) انظر عن هذه الحركة كتاب البابكية لحسين قاسم العزيز الذي رغم غزارة مادته ، فإنه يبالغ في السمة القومية المحلية لحركة بابك ؛ وانظر عن جهودها العسكرية ما كتبه الطبري في تاريخه .